مصطفى مسلم
92
مباحث في إعجاز القرآن
من أمثلة عبد القاهر الجرجاني على أن حسن الكلام من جهتي اللفظ والنظم : ( . . . ومن دقيق ذلك وخفيّه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] ، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها ولم يروا للمزية موجبا سواها ، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم وليس الأمر على ذلك ، ولا هذا الشرف العظيم ، ولا هذه المزية الجلية ، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند الكلام لمجرد الاستعارة ، ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء ، وهو لما هو من سببه ، فيرفع به ما يسند إليه ويؤدي بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده ، مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة ، كقولهم طاب زيد نفسا وقرّ عمرو عينا وتصبّب عرقا وكرم أصلا وحسن وجها وأشباه ذلك مما تجد الفعل منقولا عن الشيء إلى ما ذلك من سببه ، وذلك أنا نعلم أن ( اشتعل ) للشيب في المعنى وإن كان هو للرأس في اللفظ ، كما أن طاب للنفس وقر للعين وتصبب للعرق ، وإن أسند إلى ما أسند إليه . . يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك ، وتوخّي به هذا المذهب ، أن تدع هذا الطريق فيه ، وتأخذ اللفظ فتسند إلى الشيب صريحا ، فتقول : اشتعل شيب الرأس ، والشيب في الرأس ، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة ؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها ؟ فإن قلت : فما السبب في أن كان ( اشتعل ) إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل ، ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة ؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى المشمول ، وأنه قد شاع فيه ، وأخذه من نواحيه ، وأنه قد استقر به ، وعم جملته ، حتى لم يبق من السواد شيء ، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به ، وهذا ما لا يكون إذا قيل : اشتعل شيب الرأس ، أو الشيب في الرأس . بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة ، ووزان هذا أنك تقول : اشتعل البيت نارا ، فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول ، وأنها قد